أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

346

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

2312 - كيف يرجون سقاطي بعد ما * لفّع الرأس بياض وصلع ؟ « 1 » وقيل : هو مأخوذ من السّقيط ، وهو ما يغشى الأرض من الجليد يشبه الثلج ، يقال منه : سقطت الأرض ، كما يقال : ثلجت . والسقط والسّقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى ، ومن وقع في يده السّقيط لم يحصل منه على شيء فصار هذا مثلا لكل من خسر في عاقبته ، ولم يحصل من بغيته على طائل . واعلم أن « سقط في يده » عدّه بعضهم في الأفعال التي لا تتصرف ك « نعم وبئس » . وقرأ بن السّميفع « سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ » مبنيا للفاعل ، وفاعله مضمر ، أي : سقط الندم ، هذا قول الزجاج . وقال الزمخشري : « سقط العضّ » . وقال ابن عطية : « سقط الخسران والخيبة » . وكل هذه أمثلة . وقرأ ابن أبي عبلة « أسقط » رباعيا ، وقد تقدم أنها لغة ، نقلها الفراء والزجاج . قوله : وَرَأَوْا أَنَّهُمْ هذه قلبية ، ولا حاجة في هذه إلى تقديم وتأخير ، كما زعمه بعضهم ، قال « 2 » : تقديره : ولما رأوا أنهم قد ضلوا وسقط في أيديهم ، قال : لأن الندم والتحسّر إنما يقعان بعد المعرفة » . قوله : « لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا » قرأ الأخوان « ترحمنا ، وتغفر » بالخطاب ، « ربّنا » بالنصب ، وهي قراءة الشعبي وابن وثاب وابن مصرّف والجحدري والأعمش وأيوب . وباقي السبعة بياء الغيبة فيهما « رَبُّنا » رفعا ، وهي قراءة الحسن ومجاهد والأعرج وشيبة وأبي جعفر . فالنصب على أنه منادى ، وناسبه الخطاب ، والرفع على أنه فاعل ، فيجوز أن يكون هذا الكلام صدر من جميعهم على التعاقب ، أو هذا من طائفة ، وهذا من طائفة ، فمن غلب عليه الخوف ، وقوي على المواجهة خاطب مستقيلا من ذنبه ، ومن غلب عليه الحياء أخرج كلامه مخرج المستحيى من الخطاب ، فأسند الفعل إلى الغائب . [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 150 إلى 152 ] وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 150 ) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 151 ) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ( 152 ) قوله : غَضْبانَ أَسِفاً . حالان من « مُوسى » عند من يجيز تعدد الحال ، وعند من لا يجيزه يجعل « أَسِفاً » حالا من الضمير المستتر في « غَضْبانَ » ، فتكون حالا متداخلة ، أو يجعلها بدلا من الأولى ، وفيه نظر ، لعسر إدخاله في أقسام البدل ، وأقرب ما يقال : إنه بدل بعض من كل ، إن فسّرنا « الأسف » بالشديد الغضب ، أو بدل اشتمال ، إن فسّرناه بالحزين ، يقال : أسف ، يأسف ، أسفا ، أي : اشتد غضبه ، قال تعالى : فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ ، ويقال : بل معناه : حزن ، ومنه قوله : 2313 - غير مأسوف على زمن * ينقضي بالهمّ والحزن « 3 »

--> ( 1 ) البيت في شرح المفضليات ( 2 / 737 ) ، البحر ( 4 / 393 ) ، الخزانة ( 6 / 125 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 394 ) . ( 3 ) البيت لأبي نواس انظر المغني ( 1 / 159 ) ، الهمع -